ابن تيمية
119
مجموعة الرسائل والمسائل
في الأزل فقد خالف كلام الله مع مكابرة العقل ، لأن الله تعالى يقول : " فلما جاءها نودي " وقال " إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون " فأتى بالحروف الدالة على الاستقبال . قالوا وبالجملة فكل ما يحتج به المعتزلة والشيعة مما يدل على أن كلامه متعلق بمشيئته وقدرته وأنه يتكلم إذا شاء وأنه يتكلم شيئاً بعد شيء ، فنحن نقول به ، وما يقول به من يقول أن كلام الله قائم بذاته وأنه صفة له والصفة لا تقوم إلا بالموصوف فنحن نقول به ، وقد أخذنا بما في قول كل من الطائفتين من الصواب وعدلنا عما يرده الشرع والعقل من قول كل منهما ، فإذا قالوا لنا : فهذا يلزم منه أن تكون الحوادث قامت به ، قلنا ومن أنكر هذا قبلكم من السلف والأئمة ، ونصوص القرآن والسنة تتضمن ذلك مع صريح العقل ، وهو قول لازم لجميع الطوائف ، ومن أنكره فلم يعرف لوازمه وملزوماته . ولفظ الحوادث مجمل ، فقد يراد به الأعراض والنقائص والله منزه عن ذلك ولكن يقوم به ما شاءه ويقدر عليه من كلامه وأفعاله ونحو ذلك مما دل عليه الكتاب والسنة . ونحن نقول لمن أنكر قيام ذلك به : أتنكره لإنكارك قيام الصفة به كإنكار المعتزلة أم تنكره لأن من قامت به الحوادث لم يخل منها ونحو ذلك مما يقوله الكلابية ؟ فإذا قال الأول كان الكلام في أصل الصفات وفي كون الكلام قائماً بالمتكلم لا منفصلاً منه كافياً في هذا الباب . وإن كان الثاني قلنا لهؤلاء : أتجوزون حدوث الحوادث بلا سبب حادث أم لا ؟ فإن جوزتم ذلك وهو قولكم لزم أن يفعل الحوادث ما لم يكن فاعلاً لها ولا لضدها ؟ فإذا جاز هذا فلم لا يجوز أن تقوم الحوادث بمن لم تكن قائمة به هي ولا ضدها ؟ ومعلوم أن الفعل أعظم من القبول فإذا جاز فعلها بلا سبب حادث فكذلك قيامها بالمحل ، فإن قلتم : القابل للشيء لا يخلو عنه وعن ضده لزم تسلسل الحوادث ، وتسلسل